قامت "الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان" في يناير الماضي بعمل دراسة مسحية حول الصورة الذهنية لحقوق الإنسان في المملكة. وهي المؤسسة التي تم إنشاؤها عام 2004 كمؤسسة غير حكومية تعمل في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان في السعودية والتي أضاف لعملها تأسيس "هيئة حقوق الإنسان" وهي الهيئة الحكومية التي تم تأسيسها عام 1426هـ لنفس الغرض.الدراسة قدمت العديد من النتائج فيما يخص مفهوم حقوق الإنسان في المملكة:
- بداية تلفت الدراسة إلى أنه كان هناك تحفظ واضح تجاه تعبئة استمارات الاستبيان بشكل عام حيث واجه فريق العمل رفضاً تاماً للمقابلات من بعض أطياف المجتمع وقد رفضت العديد من الأسر تعبئة السيدات للاستمارات. وفي الإجمال فإن 54.6% من المقابلات قوبلت بالرفض.
- اعتبر البعض الحديث عن حقوق الإنسان منافياً للأعراف وللدين والبعض الآخر اعتبره بمثابة حديث سياسي غير لائق.
العينة المختارة للدراسة يمكن القول إجمالاً إنها عينة متوازنة من جهة التمثيل لثقل الكثافة السكانية لمناطق المملكة كما إنها متوازنة من جهة توزيعها على حسب الفئات العمرية. وفيما يلي أهم نتائج الدراسة:
* يعتقد 54% من المجتمع أنه على علم بمفهوم حقوق الإنسان ولكن التحليل يظهر أن نسبة العلم الفعلي بحقوق الإنسان الأساسية لا تتعدى 30%.
* 47% ممن يعتقدون أنهم على علم بمفهوم حقوق الإنسان ليسوا على علم بأي من المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان.
* 92% ممن يعتقدون أنهم على علم بمفهوم حقوق الإنسان ليس لديهم علم بأي من الأنظمة والقوانين الخاصة بحقوق الإنسان. في الوقت الذي تشير فيه الدراسة إلى أن 94.3% من المجتمع بصورة إجمالية ليس على دراية أو علم بهذه القوانين والأنظمة.
* تبلغ نسبة انتشار ثقافة حقوق الإنسان في المملكة من وجهة نظر عينة الدراسة حوالي 25.8% ولكن ينخفض الاعتقاد في نسبة انتشار ثقافة حقوق الإنسان في المنطقة الشرقية بشكل ملحوظ حيث بلغت 20.6% في الوقت الذي سجلت فيه باقي المناطق نسبة أعلى من المتوسط.
* تمثل الصحف أهم مصدر للمعرفة بحقوق الإنسان بنسبة 26.9%.
* تعرض 18.7% من المجتمع لانتهاكات لحقوق الإنسان وما نسبته 16.8% من المجتمع على علم بأحد تعرض لانتهاك. وتزداد نسبة الانتهاكات في المنطقة الوسطى والشرقية حيث بلغت النسب حوالي 21.7% و 26.1% على التوالي. بينما تنخفض بشكل ملحوظ في المنطقة الغربية حيث بلغت النسبة 14.6%. و لجأ 14.1% من أولئك الذين تعرضوا لانتهاكات إلى جهات مختلفة يعتقدون أنها مختصة بحقوق الإنسان ولكن الحقيقة أن 20.3% من أولئك لجأوا لجهات معنية بحقوق الإنسان بينما الباقي لجأ لجهات أخرى غير معنية.
* في الوقت الذي يوجد ما نسبته 53.6% من المجتمع على استعداد للجوء إلى الجهات المختصة بحقوق الإنسان فإن هناك ما نسبته 40.4% من المجتمع لم يلجأ وليس عنده استعداد للجوء. وقد يعود ذلك لانعدام الثقة في هذه الجهات. حيث بلغت أسباب عدم اللجوء النسب التالية (29.4% أسباب اجتماعية – 36% عدم المعرفة بمجالات عمل جهات حقوق الإنسان – 8.7% أسباب سياسية – 4.1% تجارب سابقة).
* يرى 11.7% من المجتمع عدم أهمية مؤسسات حقوق الإنسان. وتزداد الرؤية حول أهمية مؤسسات حقوق الإنسان كلما ازداد المستوى التعليمي حيث بلغ معامل الارتباط 53.5% بينما في المقابل تنخفض الثقة في هذه المؤسسات مع ازدياد نسبة التعليم بوجود معامل ارتباط عكسي سالب قدره 64.5%.
* تزداد نسبة الذين يرون أنهم لم يتعرضوا لانتهاكات بين المستويات التعليمية الضعيفة والأميين وهو ما قد يفسر بجهل هذه الفئة بالحقوق. على أن أهم نقاط هذه الدراسة هي الإجابة حول السؤال الأساس. وهو تعريف حقوق الإنسان لدى المجتمع. وهنا يبرز الاختلاف الواضح في الرؤية السعودية لحقوق الإنسان عن الرؤى العالمية الأخرى من جهة تصنيف الحقوق بحسب الأهمية والأولوية وحسب معرفة تلك الحقوق لدى المجتمع.
* اعتبر المجتمع السعودي أن حق الحصول على مستوى معيشي لائق هو أهم حقوق الإنسان بأهمية نسبية 20.9% ودرجة معرفة في المجتمع بنسبة 31.7%.
* في المرتبة الثانية كان حق عدم التدخل في الحياة الخاصة بأهمية نسبية حوالي 9.6% ودرجة معرفة 14.6%
* حق الكرامة في المرتبة الثالثة بأهمية نسبية 8.9% ودرجة معرفة 13.5% وحق الحرية وحق حرية التعبير عن الرأي في المرتبة الرابعة بأهمية نسبية 8.6% ودرجة معرفة 13.1% لدى المجتمع حول هذا الحق.
* تأتي بعد ذلك حقوق التعلم والعمل والمساواة وحرية العقيدة وحق الحصول على محاكمة عادلة وغيرها من الحقوق.
* الملاحظة الأهم هي حصول الحقوق السياسية على ترتيب متراجع حيث حصلت حقوق المرأة على درجة معرفية 1.4% وحق الانتخاب 1.4% وحق المشاركة السياسية 0.5% مما يدل على حقيقة عدم تسييس المجتمع السعودي وأن أغلب اهتماماته لا تنصب على الحقوق السياسية قدر ما تنصب على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالتنمية في المقام الأول أو تلك الحقوق التي تتأثر بواقعه مثل حق عدم التدخل في الحياة الخاصة والذي ربما تبعثه ممارسات معينة من بعض الجهات وهو حق يأخذ ترتيباً مرتفعاً في المملكة بينما يختلف سلم الأولويات تماماً لدى مجتمعات أخرى.
ما تظهره الدراسة هو ضعف الوعي بحقوق الإنسان في المملكة وهو ضعف يعود في غالبه لغياب ثقافة حقوق الإنسان عن المجتمع. بحسب الدراسة فقد كانت كثير من إجابات الأفراد تستشهد بالنصوص الدينية وهو أمر ليس مستغرباً في المملكة ولكن بين الاستشهاد بالنصوص الدينية وتفعيل هذه الثقافة على أرض الواقع هناك طريق يجب علينا أن نتخطاه وهو طريق يبدأ اليوم من المدرسة ومن حملات التثقيف والتوعية وينتهي بتفعيل دور مؤسسات حقوق الإنسان كرقيب في المجتمع.